"بنك وطني للأنسجة البشرية" وليس التبرع بالجلد
السبت، 14 فبراير 2026 09:00 م
النائبة أميرة صابر صاحبة المقترح المثير للجدل: أنا أول المتبرعين.. والمقترح ينقذ الاف الأرواح سنويا
"الصحة" تطور معهد ناصر ليتضمن بنكاً للأنسجة البشرية.. وادعو لإنشاء "سيستم" كاملاً يتيح للمواطن التبرع بكامل إرادته وبدون مقابل مادي
أثار المقترح الذي تقدمت به النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، إنشاء "بنك وطني للأنسجة البشرية" حالة من الجدل حول إمكانية تطبيقه فعلا علي أرض الواقع وتخوف البعض من فكرة التبرع، مما جعل النائبة إلى الخروج لشرح فكرتها التي لاقت مؤخراً ترحيب ضمني من القوى السياسية والطبية بعد ساعات من الجدل والانتقاد، خاصة أن البنك المقترح يأتي تفعيلا لقانون رقم 5 لسنة 2010 بشأن تنظيم زرع الأعضاء البشرية، والذي ينظم آليات التبرع.
وقالت النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، لـ "صوت الأمة"، إن مقترح إنشاء "بنك وطني للأنسجة البشرية"، يمثل طوق نجاة لآلاف المرضى الذين يفقدون حياتهم يومياً نتيجة نقص الأنسجة والقرنيات وصمامات القلب، وشنت "صابر" هجوماً حاداً على ما وصفته بـ "ببعض وسائل الإعلام غير المسؤول"، متهمة إياهم باختلاق تصريحات لم تدلِ بها وتشويه المبادرة الإنسانية، مطالبة بضرورة وجود حملات توعية إعلامية توازي حملات التبرع بالدم.
وأوضحت النائبة أن مقترحها لا يعمل في فراغ، بل يستند إلى غطاء قانوني قائم بالفعل وهو القانون رقم 5 لسنة 2010 بشأن تنظيم زرع الأعضاء البشرية، الصادر منذ 16 عاماً. وقالت: "لا يمكنني الحديث عن بنك للأنسجة دون استحضار هذا القانون، ودوري القادم في مجلس الشيوخ هو تقييم الأثر التشريعي لهذا القانون للوقوف على أسباب تعطل تنفيذه طوال هذه السنوات".
وفيما يخص الجانب التنفيذي، كشفت أميرة صابر، عن وجود تواصل مستمر وتنسيق مع وزارة الصحة، مشيرة إلى أن الحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، حيث رحبت وزارة الصحة بالمقترح، وهناك مشروع جارٍ لتطوير معهد ناصر ليتضمن بنكاً للأنسجة البشرية، وشددت على ضرورة ألا يقتصر الأمر على القطاع الخاص أو الجمعيات الأهلية، بل يجب أن تتبنى الدولة "سيستم" كاملاً يتيح للمواطن الراغب في التبرع بكامل إرادته وبدون مقابل مادي، تسجيل رغبته في قوائم إلكترونية شفافة، ليتم نقل الأعضاء فور الوفاة عبر فرق طبية متخصصة.
واستشهدت النائبة أميرة صابر، بتجارب دول عربية وإسلامية وأوروبية سبقت مصر في هذا المجال، مثل السعودية، تركيا، ماليزيا، إيطاليا، وفرنسا، حيث يُثبت خيار التبرع في البطاقة الشخصية أو رخصة القيادة، معقبة: "دول كثيرة لديها هذا النظام، ومن المحزن أن نفقد طفلاً محروقاً أو مريضاً بالقلب بسبب الجهل والغباء ومقاومة القراءة والفهم".
وعن الفئات المستهدفة من المقترح، أكدت أميرة صابر أن المستفيدين يقدرون بـ "الآلاف"، ممن يعانون من حوادث الحروق اليومية، أو انفصال القرنية، أو الذين يحتاجون لصمامات قلب بشكل عاجل، مشيرة إلى خبرتها السابقة في هذا المجال والتي جعلتها تشاهد الكثيرين يموتون رغم أنه كان من الممكن إنقاذهم وتغيير حياتهم للأفضل.
ورداً على التساؤلات حول تقديم المقترح في مجلس الشيوخ بدلاً من "النواب"، أكدت النائبة أنها تستخدم أهم أدوات مجلس الشيوخ وهي "قياس الأثر التشريعي". وأضافت: "القانون موجود بالفعل، لكن دورنا الآن هو وضع كشاف على مواطن الخلل وتحديد الفجوات التي منعت تطبيقه طوال عقد ونصف، ومن ثم رفع تقرير يطالب بتعديلات تشريعية وإجراءات تنفيذية ملزمة"، مشيرة إلى أنها كتبت وصيتها بالتبرع بأعضائها منذ أن كانت طالبة في الفرقة الثانية بالجامعة، معلنة أنها ستخوض تجربة التوثيق في الشهر العقاري بنفسها أمام الكاميرات، لتختبر مدى سهولة أو تعقيد الإجراءات ولتكون قدوة لغيرها، مشددة على أن التبرع هو "موافقة مستنيرة" تتم بكامل الإرادة وبدون مقابل مادي، وهي وسيلة ليترك الإنسان أثراً حياً يمنح فرصة النجاة لثمانية أشخاص آخرين بعد رحيله.
في نفس السياق أكد الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، أن التبرع بالجلد البشري بعد الوفاة هو إجراء طبي دقيق، يهدف إلى إنقاذ حياة آلاف المصابين، خاصة ضحايا الحروق الخطيرة، مشيرا إلى أن هناك مفاهيم مغلوطة منتشرة حول هذا الموضوع تحتاج إلى توضيح علمي دقيق لطمأنة المواطنين.
وفند عبد الغفار، المخاوف المتعلقة بتشوه جسد المتوفى، موضحاً أنه من الناحية الطبية يتكون الجلد من ثلاث طبقات رئيسية هي البشرة، والأدمة، والنسيج تحت الجلد، مشيرا إلى أن عملية التبرع تستهدف فقط "القشرة السطحية" من الطبقة العليا، والتي لا يتعدى سمكها 0.3 إلى 0.5 مليمتر، أي أقل من نصف مليمتر، وهو قدر ضئيل جداً لا يؤثر على بنية الجسد، مشدداً على أن الأنسجة يتم أخذها من مناطق غير ظاهرة في الجسد مثل الظهر أو الفخذين، لضمان الحفاظ الكامل على حرمة المتوفى ومظهره، أما الطبقات العميقة والنسيج تحت الجلد تظل سليمة تماماً، وهي الأجزاء المسؤولة عن إعطاء الجسم شكله الخارجي المعتاد، مؤكداً أن العملية لا تترك أي أثر للتشوه أو "السلخ" كما يروج البعض.
وأشار حسام عبد الغفار إلى أن مقترح إنشاء بنك وطني للأنسجة يأتي تماشياً مع المعايير العالمية المتبعة في الدول المتقدمة، حيث يمثل الجلد المتبرع به "صمام أمان" لمصابي الحروق، ويساعد في حماية الجروح المفتوحة من التلوث والوفاة، مؤكدا أن المنظومة ستعمل بأعلى معايير الشفافية والحوكمة لضمان حقوق المتبرعين والمستفيدين على حد سواء.
ووفق تقارير، فقد أظهرت البيانات العالمية الصادرة عن المرصد العالمي للتبرع وزراعة الأعضاء بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، أن أنشطة زراعة الأعضاء شهدت نموًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات السابقة، لكنها ما زالت بعيدة عن تلبية الاحتياجات الطبية الفعلية. فقد بلغ إجمالي عمليات زراعة الأعضاء الصلبة عالميًا نحو 173 ألف عملية خلال عام واحد فقط، وهو ما يمثل زيادة تقارب 9.5% في 2023 مقارنة بعام 2022. ومع ذلك، لا يغطي هذا الحجم سوى أقل من 10% من الاحتياج العالمي المقدر، في وقت تشير فيه تقديرات الخبراء إلى أن الطلب السنوي الفعلي على زراعة الأعضاء يتجاوز مليوني حالة إذا ما أُخذ في الاعتبار الفشل الكلوي المتقدم وأمراض الكبد والقلب والرئة في مراحلها النهائية.
واستحوذت زراعة الكلى على النصيب الأكبر بواقع 111,135 عملية، بما يمثل نحو 64% من إجمالي الزرعات الصلبة عالميًا، تلتها زراعة الكبد بنحو 41,099 عملية، ثم زراعة القلب (10,121 عملية)، والرئة (7,811 عملية)، والبنكرياس (2,054 عملية)، إضافة إلى 177 عملية زراعة أمعاء دقيقة.
وأكد الخبير القانوني والمحامي بالنقض، هاني صبري، أن ملف التبرع بالأعضاء البشرية يعد من الملفات الشائكة التي تتطلب وعياً مجتمعياً وحسماً قانونياً، مشيراً إلى أن المشرع المصري وضع سياجاً منيعاً لحماية جسد الإنسان من الاستغلال والاتجار، لافتاً إلى أن المادة 61 من الدستور المصرى الحالى، تحدثت عن كيفية التبرع بالأنسجة والأعضاء، وتنص على أن: "التبرع بالأنسجة والأعضاء هبة للحياة، ولكل إنسان الحق فى التبرع بأعضاء جسده، أثناء حياته أو بعد مماته بموجب موافقة أو وصية موثقة، وتلتزم الدولة بإنشاء آلية لتنظيم قواعد التبرع بالأعضاء وزراعتها وفقًا للقانون"، ووفقًا لنص القانون 5 لسنة 2010، والخاص بإصدار قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية، وتعديلاته، أنه فى جميع الأحوال يجب أن يكون التبرع صادرا عن إرادة حرة خالية من عيوب الرضا وثابتًا بالكتابة.
وأشار صبرى أن اللائحة التنفيذية الخاصة بقانون نقل الأعضاء وضعت شروطا للتبرع، تلزم أن يكون هناك موافقة كتابية للمتبرع، وألا يكون المستفيد من خارج نطاق الأسرة، ولا يجوز التبرع من طفل، كما تم تحديد مستشفيات معينة بمواصفات ومقاييس معينة لنقل الأعضاء دون غيرها، وانه لابد أن يكون للمتوفى وصية مكتوبة بالموافقة لنقل عضو من أعضائه بعد الوفاة.